محمد متولي الشعراوي

4372

تفسير الشعراوى

ربنا ؛ لأنه جعل اللّه في باله ، وخاف من صفات الجبارية في الحق ، ولهذا لا بد أن يستحضر الإنسان أو المؤمن رهبته لربه وخوفه منه - سبحانه - ليكون المنهج هدى ورحمة له . ويكون من الذين يرهبون ربهم . وساعة ترى المفعول تقدم في مثل قوله سبحانه هنا : لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( من الآية 154 سورة الأعراف ) نفهم أن هذا هو ما يسمى في اللغة « اختصاص » وقصر مثلما قال الحق في فاتحة الكتاب : إِيَّاكَ نَعْبُدُ . وما الفرق بين « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » و « نعبدك » ؟ إن قلنا : « نعبدك » فهو قول لا يمنع من العطف عليه ، فقد نعبدك ونعبد الشركاء معك ؛ لكن قولنا : « إِيَّاكَ نَعْبُدُ » أي خصصناك بالعبادة وقصرناها عليك سبحانك فلا تتعدى إلى غيرك . إذن حين تقدم المفعول فهذا هو عمل الاختصاص . ومثال ذلك في حياتنا حين نقول : « أكرمتك » ، ولا مانع أن نقول بعدها « وأكرمت زيدا وأكرمت عمرا » . لكن إن قلت : إياك أكرمت ، فهذا يعنى أنى لم أكرم إلا إياك . وهنا يقول الحق : لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ . ولقائل أن يقول : ألا يمكن أن يدعى أحد الرهبة ظاهرا وأنه ممتثل لأمر اللّه رياء أو سمعة حتى يقول الناس : إن فلانا حسن الإسلام ، ويأخذون في الثناء عليه ؟ ولكن هنا نجد التخصيص الذي يدل على أن العبد لا يرهب أحدا غير اللّه ، وأن الرهبة خالصة للّه ، وليست رياء ، ولا سمعة ، ولا لقصد الثناء . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 155 ] وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ( 155 )